الحكاية على لسان السيد روكو فورتي

العودة إلى المستقبل

تُعدّ التجارب ذات الطابع الشخصي مستقبل الضيافة. فالضيوف لا يرغبون في الإقامة في سلسلة فنادق لا ملامح لها، أو أن يخوضوا نفس التجربة في أي مكان يقصدونه في العالم؛ بل يرغب الضيوف في الإحساس بروح المكان وبتجربة نكهات محلية عند تناولهم الطعام وأن تتسرّب إليهم شخصية المدينة التي يقيمون فيها. فقد أصبحت للأصالة والفردية أهمية أكبر من أي وقت مضى.

ليس في ذلك خبر جديد بالنسبة إلى فنادق روكو فورتي. فقد بات الجميع يتحدثون اليوم عن روح المكان، ولكننا كنا أول من يتخذ ذلك بنهجٍ تصميمي يدمج التأثيرات المحلية. عندما أسسنا الشركة في 1996، كانت الفكرة السائدة آنذاك تشكيل منتجات ذات علامة تجارية، مما كان يعني أن يختبر المرء التجربة ذاتها في كل فندق يرتاده. ولكننا أردنا القيام بالأمور بطريقة مختلفة. وقرّرنا معاملة الضيوف كأفراد متميّزين في كل جانب من جوانب الفندق، لنخصّص الخدمة المقدّمة من أجلهم ولنمنحهم من خلال تصاميمنا إحساساً بالمدينة التي يقيمون فيها.

تاريخٌ من الضيافة

إنّ معاملة كل ضيف بشكل مختلف لاختلافهم كأفراد هو أمرٌ تعلمته من والدي. وبدوره، فقد تشكّلت طريقته في التعامل مع العملاء من خلال العمل إلى جانب والده، جدي. لقد حالفني الحظ بأني نشأت في عائلةٍ احتلّت فيها الضيافة وريادة الأعمال مكانةً رئيسيةٍ لعدّة أجيال، وقد كان لهذه الخبرة أثرها الكبير في صياغة فنادق روكو فورتي.

تبدأ قصة عائلتي مع الضيافة منذ عام 1911. فقد كانت تلك هي السنة التي رحل فيها جدي من مونفورت، القرية الصغيرة في جنوب إيطاليا، إلى أطراف منطقة فايف في اسكتلندا. ولم يمض وقت طويل حتى أسس مقهى أطلق عليه اسم «سافوي»، وهو أول مشروع ضيافة لفورتي.

وبعد أن رأى جدي يفتح ويدير عدداً من المطاعم الناجحة في اسكتلندا وإنجلترا، أنشأ والدي متجراً صغيراً في شارع ريجنت. وكان توقيته مثالياً. إذ سرعانَ ما أصبح أحد خمسة متاجر في وسط لندن ونمت هذه المتاجر لتصبح نواة فنادق ومطاعم فورتي، والتي عُرفت لاحقاً باسم «ترست هاوس فورتي»، وتطورت لتصبح أكبر مجموعة ضيافة في العالم.

تعلُّم الأعمال

وكما تتصوّرون، فقد نشأتُ وسط الفنادق وحولها. وبدأتُ بالعمل في سنّ 14 أو 15 في أثناء الإجازة في جوانب مختلفة من النشاط الفندقي، وشملت خدمة العملاء وأعمال المطبخ وتنظيف الغرف. لقد اكتسبتُ خبرةً في عدد كبير من الأقسام المختلفة. وما مِن بديلٍ أفضل من العمل مع الضيوف واكتساب أساليب جديدة في التفاعل معهم، لتعلّم الأسس في فنون الضيافة. وليس أسوأ من التفاعل المتكلّف أو المُبرمَج، بطرح أسئلة مكررة على الضيوف من قبل العاملين كل حين وآخر. لقد احتلّ تطوير التفاعل مع العملاء أولويةً لدى فنادق روكو فورتي منذ البداية، ونحن نطوّر برامج تمكننا من أن نرتقي أكثر وأكثر في هذا الجانب.

لقد استمرّ تعليمي المرتبط بهذا القطاع بعد إكمالي لتعليمي في جامعة أكسفورد وتأهّلي للعمل كمحاسب قانوني. وتولّيت إدارة فندق مكون من 40 غرفة في جنوب فرنسا. وفي حين أنني لم أنل قسطاً وافراً من النوم في ذاك العام، تعلمتُ أموراً كثيرة عن الدافع والخيال الضروريين لإدارة عمل ضيافة ناجح. وأفخر بالقول إنه كان العام الوحيد الذي جنى فيه ذاك الفندق أرباحاً.

في البداية

لقد كانت لدينا استراتيجية ورؤية واضحة للغاية تجاه العمل. واتخذنا قرارنا بالتركيز على العقارات الفاخرة في المدن الأوروبية الكبرى وبناء سمعتنا في الخدمة المُكترثة والمُراعية للخصوصية. ومنذ انطلاقتنا كنا نعلم بشكل الأعمال التي نريد تحقيقها. فقد أردنا إدارة جميع فنادقنا على نحو مستقل وليست كسلسلة فنادق. وأردنا أن يُجسّد كل فندق الروح الفريدة للمكان، وذلك بفضل شقيقتي، أولغا بوليتزي، الشريك المؤسس بالمجموعة ومديرة التصميم. كما أردنا أن تعكس جميع الفنادق بصمة العائلة القوية - وهي قوة مؤثرة في أي عمل. وبعد عشرين عاماً، لا نزال مخلصين لتلك الرؤية إذ لا تزال هي الخصائص التي تميّزنا عن شركات الفنادق الأخرى.

كان أول فندق لي هو ذا بالمورال في إدنبرة، ويمكنكم رؤية جميع تلك الجوانب المختلفة باقية في مكانها حتى الآن. يحتلّ الفندق مكانة خاصة في قلبي، فمن ناحيةٍ كان المكان الذي شهد بداية القصة، ومن ناحيةٍ أخرى يشكّل جزءاً من نسيج المدينة.

عشرون عاماً من النمو

لم يكن طموحنا يوماً أن نكون أكبر شركة فنادق فاخرة أو أن ندير أكبر فنادق. فالفندق حين يبلغ حجماً معيّناً يفقد حميميّته والحسّ بطابعه الشخصي. وأرى أن الإقامة في فندق صغير يعرفون فيه اسمك وغرفتك المفضلة هي تجربة مُجزية أكثر، مقابل الإقامة في برجٍ يفتقر إلى لمسة الاهتمام الشخصي. وكذلك لا يمكن التقاط روح المدن المختلفة إلا في مجموعة فنادق، فهذه الروح الفردية دائماً ما تُفتقد في سلاسل الفنادق.

لقد أحسنّا الاستفادة من هذه المبادئ وعلى مدار العقدين الماضيين توسعنا من فندق واحد إلى مجموعة من 11 فندقاً يتركز معظمها في مدن أوروبية كبرى. واليوم تُعدّ فنادق روكو فورتي ضمن أرقى الفنادق في القارة الأوروبية، بما في ذلك فندق أستوريا في سانت بطرسبرغ ومقهى أستوريا الخاص به الذي باتَ من مَرافق المدينة، وفندق براونز الأقدم في مدينة لندن، وفندق دي روسي في روما، موطن زوجتي.

إنّ منتجعنا في فيردورا، صقلية هو إحدى الوجهات المفضلة للهروب من صخب الحياة، لمزجه الأمثل بين الرفاهية وشيء من الطبيعة البرية؛ غير أنّ لكل فندق من هذه المجموعة سحره الخاص. ولا يمكنني المفاضلة بينها؛ فهي مثل أولادي. وأشعر بالامتنان لهذه البرَكة التي أتاحت لي جمع وانتقاء مثل هذه المجموعة الاستثنائية.

لا يعني هذا أننا قانعون بالاكتفاء بالعدد 11. فنحن لدينا خططٌ طموحة لتنمية المجموعة.

التفكير بما هو أبعد

ففي الأعوام الخمسة المقبلة، ننوي أن نتحوّل إلى مجموعةٍ تضمّ 15 فندقاً، بإضافة فنادق في أوروبا وغيرها من الأماكن. ونحن نولي إيطاليا تركيزنا الخاص، إذ لا تزال زاخرةً بالإمكانات كوجهة سفر فاخرة، كما أنها مطبوعةٌ في تاريخ عائلتي. سوف نتخذ أولى خطواتنا هناك بافتتاح فندقٍ ثانٍ في روما في عام 2018: فندق دي لا فيل، الذي يتميز بموقع مهيب أعلى العتبات الإسبانية.

وفي نفس العام، سنزيل الستار أيضاً عن أوّل فنادقنا في آسيا. لم نستقر بعد على اسم محدد، ولكن فندق روكو فورتي في شنغهاي سيُقام على ضفاف نهر شوخوي وسط الأحياء الجميلة لهذه المنطقة الحديثة. وسيتمتع الضيوف بإطلالات رائعة على المدينة وعلاجات مميزة من منتجع روكو فورتي الصحي وروح المكان التي تقدّمها جميع فنادقنا.

نظرة للمستقبل

إن أسلوب نجاحنا لا يقل أهمية في نظري عمّا نحققه. لقد غرس والدي فيّ إحساساً عميقاً بالاستقامة، والذي يظهر في كل ما نقوم به في فنادق روكو فورتي. فنحن نؤمن بأهمية أن نُ\دعامل الأشخاص والشركاء والمورّدين بنفس الطريقة التي نعامل بها الضيوف. ليس هذا فقط لأنه الأسلوب الصحيح والعادل، ولكن لأنه يخلق أيضاً الحسّ بالعمل.

فالأشخاص الذين يعملون في مجال الضيافة لا بُد لهم أن يستمتعوا بما يفعلون، لأن هذا الإحساس ينتقل مباشرةً إلى العملاء. لذا فنحن نجتهد لخلق أجواءٍ يستمتعون فيها بالعمل، بتدريبهم وتطويرهم على نحو سليم ومنحهم الفُرَص للترقي. ولطالما فعلنا ذلك، غير أننا نستخدم اليوم تقنيةً جديدةً لمساعدتنا، وقد طوّرنا مؤخراً تطبيقاً - Map my Future - لمساعدتهم في تخطيط مسارات مهنية عبر مجال العمل.

شركة عائلية

يُشكّل الموظفون في فنادقنا مصدراً مُذهلاً للأفكار الجديدة والطاقة في مجال عملنا. ويمكن أن يتأتّى ذلك من مصادر أخرى، ولكن من وجهة نظري أنا فخور جداً بالفِكر الجديد والطاقة التي يأتي بها أبنائي إلى عملنا. فالآن تعمل ابنتاي وابني معنا، إذ تركّز ليديا على ما نقدّمه من مأكولات ومشروبات في حين تركّز آيرين على علامتنا التجارية ومعايير الخدمة وعروض المنتجع الصحي المميزة. وتعجبني أفكار جيل الألفيّة والابتكارات الجديدة التي يجلبونها، بما في ذلك فورتي أورغانِكس، العلامة التجارية لمنتج عضوي يُصنع في إيطاليا خصيصاً لمنتجعاتنا الصحية.

لقد غمرتني سعادة بالغة بالعمل عن قرب مع شقيقتي أولغا منذ اليوم الأول لعملنا سوياً. فقد صاغت كل جوانب فلسفة تصميماتنا المميّزة، وتقود أشكالاً جديدة من التعاون مع توماسو زيفر ومارتن برودنيزكي وغيرهما من مشاهير المصممين. ولكن الآن لا يقتصر تأثير عائلة فورتي علينا نحن الاثنين فقط، حيث يقوى هذا التأثير في جميع جوانب العمل من خلال مشاركة أفرادٍ كُثر من العائلة. ونحن موجودون في كل فندق على نحو منتظِم، ويسمع العاملون تعليماتنا مباشرةً، وفلسفتنا وطريقة عملنا حاضرةٌ أمامهم على الدوام.

لا يعني هذا التقليل من عمق الخبرات الموجودة في العمل خارج أفراد العائلة. فهناك مِن أفضل المديرين موهبةً وخبرةً في مجال الضيافة ممّن يعملون معنا، وقد انضمّ إلينا مؤخراً موريزيو ساكاني مديراً للعمليات. ومن أهمّ العوامل التي تجذب المديرين للعمل في مجموعتنا هو تمتّع كل مدير عام بقدر هائل من الاستقلالية. فهم يستفيدون من الدعم الممتاز من أقسام المالية والتسويق والموارد البشرية المركزية في فنادقنا، ولكننا نحثّهم على تقديم أفكارهم الخاصة للفنادق التي يعملون فيها. ويشكّل ذلك عرضاً جذاباً لمحترفي الضيافة الطموحين، حيث يكون باستطاعتهم رسم الطريقة التي ننمو بها.

التكنولوجيا والمستقبل

لقد بدأت حواري بالقول إن التجربة ذات الطابع الشخصي ستشكّل مستقبل الفنادق الفاخرة، وأود أن أعود إلى تلك المقدّمة لأختم حديثي. أولاً، يجدر بنا أن نذكر أنه لا يوجد تعريف بسيط للرفاهية. فالرفاهية مسألة شخصية بحتة، ولا يحددها سوى مَن يستمتع بها. لذا من الأهمية بمكان أن تتعرف -كمدير فندق- على ضيوفك جيداً.

لقد أضافت التقنيات الرقمية الجديدة والبيانات التي تولّدها بُعداً آخَر لفن معرفة الضيوف وتوقُّع احتياجاتهم. وبصفتنا في قطاع الفنادق، نستطيع أن نُحدِّد عدد زيارات الضيوف والخدمات التي ينتفعون بها والطريقة التي يفضّلونها في التواصل وأماكنهم المفضّلة لتناول الطعام وأشياء كثيرة أخرى. وتعني التكنولوجيا أنه قد بات ممكناً الآن منح الضيوف تجربة شخصية أقرب إلى فكرتهم الخاصة عن الرفاهية. توجد تطبيقات تسهّل على الضيوف تحديد محتويات ثلاجتهم الصغيرة قبل الزيارة. كما تعني التكنولوجيا أنه قد بات ممكناً الآن تحديد تفضيلاتكم الشخصية لمستويات الإضاءة ودرجة الحرارة وفتح الستائر تلقائياً وتسجيل الوصول عبر الإنترنت عند الرغبة في ذلك.

ومن الواضح أن التجربة ذات الطابع الشخصي ستصل إلى مستوى جديد كلياً في قطاعنا. وبصفتنا نشاط تجاري يواكب التغيّرات التقنيّة على الدوام، فنحن على استعدادٍ لاحتضان كل إمكاناتها. ولكن هناك ما يجب الحذر منه. فالاتجاهات الجديدة والتطويرات التقنية لا ينبغي لها أبداً أن تغطي أو تحلّ محل اللمسة الشخصية وتأثيرها الذي لا تستغني عنه الخدمة الاستثنائية. وهذا التفاعل الشخصي أمر لا غنى عنه. ولعلّ النجاح في هذا الجانب وحُسن التواصل مع الناس هو من أبرز الأسباب التي تدعو الضيوف إلى العودة المرّة تلو الأخرى وتجعل عملنا ينمو.

هناك طريقة بسيطة لإيجاز الخدمة والتجارب ذات الطابع الشخصي التي هي محور جميع خططنا المستقبلية:

"شيء مختلف. شيء مميّز. شيء فريد". 

View View View